السيد محمد حسين فضل الله
59
من وحي القرآن
سبحانه ؟ فإذا كانت القدرة هي السبب في خلق إنسان بلا أب وأم ، فكيف تستبعدون أن تتحرك القدرة في خلق إنسان بلا أب ؟ فكلما كان الخلق الأول ناشئا من إرادة اللّه التي تمثلها كلمة « كن » فكذلك خلق عيسى عليه السّلام ، حتى خلق الإنسان بالشكل الطبيعي ، فإذا ابتعدنا عن الألفة وتجرّدنا عن جوّها ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ، كيف تمّ ذلك ؟ ومن الذي ربط بين السبب والمسبّب ؟ وهل هناك إلا قدرة اللّه التي أعطت السبب قوّة السببيّة في حركة الوجود ؟ عيسى كآدم من خلال قدرة اللّه وهذا ما جاءت به الآية الكريمة لتأكيده كحقيقة عقلية في الإمكان ، إيمانية في الوقوع : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ في التدليل على قدرة اللّه التي لا يعجزها شيء ، مهما تنوعت خصائصه وأشكاله ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ أي : آدم ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من خلال ما تمثله الكلمة من معنى الإرادة في كلمة التكوين . وهذه قاعدة عامة في التفكير الديني في ضوء المنهج العقلي ، الذي يضع قدرة اللّه في الحساب ، ويحرّك التفكير في هذا الاتجاه ليربط بين الأشياء كلها من خلال ذلك . وهذا ما يجب أن تتركز التربية الإيمانية عليه ، لئلا يستسلم الإنسان إلى القضايا العادية في مشاهداته وتجاربه الحسيّة ، فينكر كثيرا من قضايا الغيب من خلال استسلامه للحس . ثم يؤكد اللّه حركة الحقيقة في نفس الرسول ، فيؤكد ثباتها لأنها مستمدة من اللّه خالق الأشياء ، فلا يمكن أن يقترب إليها الريب ، أو يطرأ عليها الشك : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي : هذا هو الحق من ربك ، فهو مصدر الحق في كل مفرداته ، لأنه مصدر الخلق كله والوجود كله ، فكل شيء مربوب له ، وكل